20/01/2009

عذرا يا صغيرتي ..


"مدرستي الابتدائية" مبنى من ثلاثة ادوار
مدرسة الأشباح .. هكذا كنا نعتقد فلا نتجرأ على البقاء في الدور الثلاث مالم يكن فيه احد
فيكفيك ان تنظر للدرج الخشبية الصغيرة الضيقة "شبه مظلمه"والتي تؤدي بك إليه حتى تشعر بشرارة من الخوف تسري في جسدك
مع هذا أجد أنني أحب تلك المدرسة , وأحب تلك الدرج لكونها تشبه ضفيرة شعر طفلة يزداد طوله مع الأيام " وفي كل انحناءة له قصة " وهكذا مدرستي في كل زاوية هناك ألف قصه
فالدرج الخشبي الصغير من بقايا قصه قديمة في بلادي اسمها "الاستعمار" والرسومات على الجدار قصه مختلفة كان اسمها "اشتراكية"
ومع حرب 1994 كان هناك قصص كثيرة "إنسانية " ارتبطت بالمدرسة وبالحي كله
ومع تغير نظام الحكم في بلادي " بعد حرب 1994 " جاء مدرس الإسلامية " او الشرعية مثلما يقال " و حاول كل جهده ليزيل فكرة الأشباح , ولكنه لم ينجح في هذا .. ربما لأننا كنا نحب تلك الفكرة


مقدمة طويله جدا لشرح طبيعة المكان الذي كنت فيه هذه الليلة "مدرستي"
كنت أقف قرب الدرج وصديقتي تطلب مني دخول الفصل الأول في الطابق الثاني .. تقدمت خطوات وأنا احمل نفس الذكريات
وجدت فيه عدد من زميلاتي ..
--- : لماذا لا تقدمين برنامج الصباح؟
--- : لا ادري اشعر بالارتباك عندما أقف هناك ...
كانت ثرثرة بنات عن الإذاعة الصباحية عندما ظهرت لنا فجأة طفله صغيرة "5 سنوات" وقفت عند الباب
"زميلاتي بداخل الفصل وأنا خارجه "
وجهت كلماتها لهم أولا فقالت:
" الحمد لله ولا محمود على مكروه سواه .. الحمد لله ولا قوة إلا بالله .. الحمد لله ولا اله إلا الله .. والصلاة والسلام على رسول الله "
لا ادري لماذا شعرت بالرعب والخوف الكبير من شكلها مع أنها جميله , وعندما تحدثت كانت كشيخ جليل "حتى صوتها كان وقور وثقيل "
لا أتذكر ماذا قالت أيضا
وفجأة اتجهت ناحيتي .. تقدمت خطوات حتى أصبحت ملتصقة بي
رفعت يديها الصغيرتين إلي قائله " أهمليني " = احمليني
تغير الصوت والنبرة الجادة وأصبحت مجرد طفله بريئة
ولكنني كانت اشعر بالخوف
ابتعدت عنها فعادت للالتصاق بي " أهمليني " هنا كانت تأمرني بحملها أكثر من كونها تطلب مني .. خفت أكثر
أشرت لزميلتي برحيلي وابتعدت عن الطفلة أحاول النزول عندما وقفت أمامي من جديد ولكنها لم تتحدث وإنما اكتفت برفع يديها
تمنيت ان احملها ولكن الخوف كان يمنعني فحاولت الهروب
وتلاشت الطفلة خلفي
عندها شعرت بألم في معصمي .. نظرت لمعصمي وجدت "جرح " كتلك الجراح التي يخلفها المشرط أو أي جسم حاد
ظهر جرح أخر .. وكانت يدي تتمزق كلما ابتعدت
توقفت التفتت خلفي
امتلأت عينأي بالدموع
الطفلة مازالت هناك ولكن هناك شي مختلف .. نظرتها "غضب"
وفجأة يظهر على صدرها وشاح لم انتبه لوجوده من قبل
وشاح كتب علية باللون الأحمر " غــــزة "
انهارت روحي وانهمرت دموعي ولكنني لم أكن قادرة على الرجوع
"كنت اشعر بالخوف والخجل"
استدرت من جديد لأكمل طريق الهروب عندما وجدت طفله اكبر تقف أمامي .. " ابتسمت "
حاولت الابتعاد عنها ولكنها لم تتركني كنت اركض وهي تلاحقني بتلك الابتسامة التي تقتلني
كنت ابتعد رغم الجراح التي تزداد في يدي .. في وجهي .. في جسدي
كنت أتمزق .. وهي لم تتركني
استيقظت
مسحت دموعي .. ظللت للحظات اسرح في الفراغ
عدت للنوم , وعادت الطفلة
استيقظت ثلاث مرات تقريبا ومع هذا لم ينقطع ذلك الحلم
لم يتوقف وعدد الأطفال كان يزداد .. وتزداد جراحي " كالجراح التي رايتها في أولئك الذين مستهم شظايا لهب الفسفور الأبيض "
لم استطع مواصل النوم .. استيقظت وانهرت بالبكاء
تك تك تك "نغمة الرسائل في هاتفي "
مسحت عينأي وفتحت الرسالة (( أنا بخير الحمد لله بس تعبانه نفسيا كثير كثير .. امبارح صار معي موقف فظيع )) .. نغم
ضممت الهاتف وانهارت دموعي من جديد " يا الله رحمتك "
لم اعرف بماذا أرد .. ماذا أقول لها ؟؟
لا اعرف ما الذي حدث معها " وأي كلام قد يجدي "
لحظات قاسية .. مُره
وفجأة تذكرت الطفلة ..
تذكرت كلامها ..
ومر ببالي حديث حبيبي ورسولي " محمد " صلى الله عليه وسلم
(عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له
وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)

اللهم اجعلهم من الصابرين
اللهم ثبتهم يا رحمن يا رحيم


........

الحرب التي حدثت في بلادي لا تشبه أبدا مجازر غزة
فهي ليست إلا معركة صغيره عابرة
ومع هذا تذكرتها لأنني كنت فيها بعمر أولئك الصغار
مازلت للان أتذكر كل تفاصيلها وهي لا تعتبر حرب حقيقية في الأساس " مجرد طرف باع أرضه وطرف أخر دفع"
ولكنني كنت طفله "وذاكرة الأطفال لا تنسى"
فبماذا ستفيد مليارات العرب الآن ؟؟
هل ستبني بيت ؟؟
مدرسة ؟؟
مسجد ؟
ماذا عن الأرواح ؟
ماذا عن الذكريات ؟
هل ستعالج مليارات العرب جرح أعمق من جراح الجسد

لماذا يتعب حكام العرب أنفسهم الآن بتمثيل دور الرجال ؟؟
من سيصدقهم؟؟
لماذا يفعلون ذلك وهم فاشلين حتى في مجرد التمثيل
الرجولة أمر لا يليق بهم .. لا يناسبهم
لماذا ولماذا .. ولماذا ؟
لماذا لم أحمل تلك الطفلة , لماذا لم اضمها الي صدري؟
هل فقدت انسانيتي كحال حكام العرب؟

.....

ضميري يعذبني .. اللهم ثبتني

12 التعليقات:

fleur de Rif يقول...

ربما لم تحمليها لانك تشعرين بالتقضير والخجل منها ومن نفسك.. هذا ما نشعر به جميعا

لكنها لم تحاسبك كنت تريد دعما معنويا فقط.. كما لم تحاسب المقاومة احدا، الخذلان حصل ومستمر لكنهم حين كانوا يطلون علينا ليعطونا جرعات الامل يبشروننا ايضا (شعوب العالم كله)انهم بخير وصراخنا الذي وصلهم وتعاطفنا وحبنا كان يسعدهم... الحمدلله.. كما انهم في الدوحة لم يطلبوا سلاحا طلبوا حبا ورجولة واخوة صادقة من ذكور عاجزين.

زمرده يقول...

ما ادري .. كان إحساس عميق بالخوف وبالألم في نفس الوقت
ما ادري ان كان خوف من الطفلة نفسها او من ذكرياتي او من الوضع لي تمثله لي الطفلة .. ويمكن من كل هذا

عارفه لو حاسبتني " لو شعب غزة والمقاومين فيها " حاسبونا صدقيني كان بيكون أهون بكثير من حسابنا لأنفسنا , رقتها وصمتها معي كان قاتل
تمنيت حقيقة ينتهي الحلم عند نظرة الغضب , ولكنه استمر وامتد يذكرني بكل ابتسامات الصغار
يمكن لان الشوق يصير اكبر كل ما زاد الألم
رغم فرحي لهم بالشهادة ولغزة بانتصار المقاومة , إلا إني من جهة أخرى اشعر بالغضب والخوف والاحتقار لكل مدعي "التحضر"
غزة أوقعت الكثير من الأقنعة الانسانيه وكشفت لنا عن وجوه وحوش ملطخه بدماء الصغار
كشفت عن مجرمين متعتهم القتل بدم بارد
والآن ينكشف قناع أخر"قناع من يحارب الناس في لقمة عيشهم"
استغرب اي قيمة لإنسانيتهم ولتبرعاتهم
ان كانت وسيلة حرب جديدة لإخضاع غزة
والمصيبة ان العدو هذه المرة مننا وفينا

عارفه لو كنت لقيتك يمكن ماكنت كتبت
شكرا لانك صديقتي (f)

lenarta8i يقول...

... قصة مؤثرة ..أعجبتني حقا ..
... فعذرا يا ايتها الصغيرة ..
وعذرا يا أطفال غزة ..
.. دمتِ مبدعة ..
سعدت بتواجدي هنا ..
اختكِ ..يقطين / مدونة لنرتقي ..:)

زمرده يقول...

يقطين ...

اتمنى لو كانت قصة , ولكنها احلام
ارفض تسميتها كوابيس لاني احبها رغم الالم

أسعدني مرورك من هنا
واحببت مدونة لنرتقي

شكرا

mohra يقول...

كم تقصين على نفسك يا زمرده
اللهم ما ثبتنا

محمد الجرايحى يقول...

أختى الفاضلة: زمردة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ضمير حى يقظ ...
كم فى هذه الأمة من يمتلك مثل هذا الضمير
حتى يحاسب نفسه قبل أن يحاسب .

كلماتك أو حلمك .. أثار الكثير فى نفسى
دائماً أجد هنا الصدق والمشاعر الرقيقة
بارك الله فيك أختى وأعزك
أخوك
محمد

alzaher يقول...

مدرستك مثلها مثل مدراس اخرى
مثل بحر البقر الابتدائية
ومدرسة الفاخورة بغزة
هي كما قلت انت فكرة
والافكار لا تموت
أبدا

عبير يقول...

زمرده الغالية العزيزة ...
دائماً تبقى الاماكن كما هي والذي يتغير
فيها هم الناس والزمن الذي يمر ...ولايمكننا تغيير مشاعرنا حتى لو كانت مؤلمة تجاه مكان معين مثل مشاعر الخوف لمدرستك ومشاعرك تجاه ذلك الوقت من الزمن ...
وقد تتوحد الاشياء التي نشعر بها مثل شعورك بأهل غزه ...
وشعورنا في العراق بكل مايعانيه اهل غزه
من الالام والحزن والغضب ...

غاليتي زمرده مشاعركِ دائما صادقة بكل
كلماتكِ التي تكتبيها ...

تحياتي لكِ يااجمل وارق زمردة

أحاسيس طفل يقول...

مساؤكـ سكر .. زمردة ..

ومن دون أي مجاملة " صابتني حالة اختناق شديدة " منذ قراءتي " حلمكـ" قصتكـ !!

مؤثرة حد الموت !!!!

حملت أحاسيسا ومشاعرا قد لا تحدث فترة اليقظة !!!!

لآ شيء يفيها حقها .. سوى بضع كلمات شكر لتعبر عن مابداخلي من أحاسيس سكنتني خلسة عبر مداد حروفكـ ..

شكرا شكرا شكرا بحجم السماء لكـ يا ملهمة ..

^_^

تايه في وسط البلد يقول...

فعلا زمردة

هي مثل اي مدرسة اخري

الفكرة هي الباقية

لسه زعلان!

غير معرف يقول...


أتيت هنا لأني ضميري أوصلني إلى هذه الصفحة لعلي أعبر فيها عن شعور يملؤه ألف علامة استفهام !
هي كثيرة ولكن الأكثر منها خوف على إنسان أجهله ويجهلني ولكني لا أعرفه ويعرفني وليس لي طريق إلا من هنا أقول له أين أنت أيها العزيز....
ليس مجاملة إنه مجرد سؤال عربي تاه في زمن ضاعت فيه الانسانية والحقوق وبيعت فيه الحرية للجلاد...
وتساوت فيه الدولارات ودماء الأطفال...
فهل من جواب؟؟؟

(صالح) :(

زمرده يقول...

مهره ...
اللهم آمين
ولا تخافي على أختي , طبعي اضحك وابكي بنفس الوقت


محمد الجرايحي ...
وعليكم السلام ورحمه الله وبركاته
وفيك بارك اخي
وما كانت الكلمات بتجد صدى الا لانه اروحكم الطيبه


alzaher ...
بالفعل اخي الافكار لا تموت

اسعدني مرورك


عبير ...
تسلمي اختي على كلامك الطيب
واسعدني جدا مرورك


أحاسيس طفل ...
اهلا بك ... وسلامتك من الاختناق
واسعدني جدا وصول الاحساس
هذا اكثر شى مهم في كوكبي

والشكر لك اخي


تايه في وسط البلد ..
سلامتك اخي من الزعل واعتذر
ان شاء الله لي عوده


صالح ...
أهلا بك أخي .. والله يطمن قلبك
وياريتني املك جواب


" أسعدني وجودكم جميعا واعتذر للغياب المتكرر"